الجوع , و النهم , و الشره , و الشبق . لم يبق للانسان عقل ليفكر أو يتأمل فى أى شىء ، فهو يأكل حتى يشبع و يشرب حتى الانفجار ثم يتمدد كثور ليصحوا سعرانا من جديد ..
و كلما نام السعار و فتر الاوار أيقظته الفاترينات و الاعلانات و الأفيشات و أقراص فتح الشهية و حبوب الهضم و حقن القرود التى تعيد الشيخ إلى شبابه .
و نتيجة الشبع و النوم هى البلادة ثم القسوة .. فنرى ذلك الخنزير الآدمى الشبعان يمر إلى جوار الجوعان العريان فلا يشعر به ، لأنه مشغول بما يتجدد من شهواته كل لحظة .. و مع ذلك فهو يربت بيده على بطنه الممتلئة و يشعر بالرضا عن نفسه ، و بأنه طيب و صالح و لم يؤذ أحدا وربما زار الكنيسة فى الأعياد ووضع قرشا فى صندوق النذور وربما صام رمضان و أكل فيه أكثر من كل شهر و تمتع فيه بتصانيف جديدة مثل اللوز و الجوز و القمر الدين و الكنافة و القطايف و المشمشية .. بل إن نفس هذه العقلية هى التى حولت شهر الصيام إلى شهر أكل ..
و إحصائية بسيطة يمكن أن تثبت لنا أن استهلاك اللحوم فى شهر الصوم يتضاعف كما يتضاعف استهلاك الطرشى و المخللات لتساعد على البلع و الزلط و اللهط .
و نتيجة هذا الزلط و اللهط و التسمين و التزغيط المستمر هى أرطال زيادة من الشحم و اللحم و أمراض كالنقرس و ضغط الدم و السكر و الذبحة و الكلية و الكبد و المصران الغليظ ثم تسويس الأسنان المبكر من فرط لين الأطعمة ..
و لكن كما قلت هذا الخنزير طيب جدا ، و كلما أصابته نوبة الذبحة قال – يارب .. يا لطيف .. رحمتك .. سترك وربما رسم الصليب و تمتم .. أبانا الذى فى السموات .. أو صلى ركعتين .. أو وزع صينية الكنافة التى لن يأكلها حسنة على البوابين ..
و لأن هذا العصر هو عصر خنازير طيبين من هذا النوع فنحن نرى فيه الناس تموت من الجوع فى بلد مثل الهند ، و يموت من الشبع الكثرة الكثيرة من البلاد الغنية .. دون أن يحرك أحد أصبعا . كما نرى الجهل لدرجة الأمية الكاملة ، و العلم لدرجة الصعود إلى القمر و إطلاق الصواريخ فى مدارات فى الفضاء .. دون أن يتحرك العلم ليعطى الجهل أو يتحرك الشبع ليشبع الجوع .. بل قد يتحد الشبعانون ليقاتلوا الجياع لأن الشبعانين عندهم وفرة السلاح كما أن عندهم وفرة الخبز .. و الجياع ليس عندهم شىء ..
لكن كما قلت هذا الانسان الخنزير طيب جدا .. و هو يعتقد أن الله طيب جدا مثله و لهذا فسوف يدخل كل الناس الجنة . و هو يقول لك .. هل من المعقول أن يضع الله رأسه برأسنا و يحاسبنا على كلام قلناه و أفعال فعلناها . و نحن بالنسبة لله و لعظمة الله كالنمل أو ذرات التراب أو ذات الهباء .. غير معقول .. إن الله كبير جدا .. أكبر من أن يعذبنا ، و هو يتصور أن هذه الثقة بالله نوع من الايمان الرفيع .. و ينسى أنه بهذا التصور الأبلة يطالب الله بالظلم و بأن يسوى بين الأسود و الأبيض و يجعل الظالم كالمظلوم و القاتل كالقتيل فى قوانينه .
و لو أنه درس القليل من الكيمياء و الطبيعة لعلم أن قوانين الله لا تسوى بين الذرات و أن كل شىء يتحرك بإحكام من الألكترون الصغير إلى أجرام السماوات العظيمة فى توافق مع المنطق العلمى الدقيق . و أن الذرات تتحد و تتفاعل مع بعضها حسب أوزانها الذرية .. مع أن هذه الأوزان مقادير ضئيلة جدا جدا جدا .
و إنه باستقراء عجائب هذا الكون و دقة سيرها و إحكام تطورها . فإن العقل ليصرخ . بين يدى هذه القدرة . لا يمكن أن يفلت ظالم .. و لا أن يهرب قاتل أخطأته قوانين الأرض .
يقول هذا عقل تأمل و أدمن التأمل .
د. مصطفى محمود
- كتاب | فى الحب و الحياة
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق